إخوان الصفاء
284
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وقد جعلنا الرسائل كلها على أربعة أقسام : القسم الأول رياضية يبتدئ بها ، والقسم الثاني جسمانية طبيعية يتلو بها ، والقسم الثالث نفسانية عقلية من بعدها ، والقسم الرابع ناموسية إلهية هي آخرها . وهذه الرسالة هي آخر الرسائل من القسم الرابع وهي الحادية والخمسون نريد أن نذكر فيها ماهيّة السحر وكيفيّة عمل الطّلّسمات ، وأنها كأحد العلوم والمعارف المتعارفة ، وكبعض الحكم المستعملة ، ونستشهد عليها بما سمعناه من العلماء وعرفناه من كتب القدماء الذين كانوا فيما مضى قبلنا . واعلم أيها الأخ ، أيدك اللّه ، أننا رأينا اليوم أكثر الناس المتغافلين إذا سمعوا بذكر السحر ، يستحيل واحد منهم أن يصدق به ، ويتكافرون بمن يجعله من جملة العلوم التي يجب أن ينظر فيها أو يتأدب بمعرفتها ، وهؤلاء هم المتعالمون والأحداث من حكماء دهرنا المتخلفين والمدّعين بأنهم من خواص الناس المتميزين ، وذلك لأنهم لما رأوا بعض المتعاملين بهذا العلم والخائضين في طلبه من غير معرفة له ، إما أبله قليل العقل ، أو امرأة رعناء ، أو عجوزا خرفة بلهاء ، فرفعوا أنفسهم عن مشاركة من هذه حاله إذا سمعوا بذكر السّحر والطّلّسمات أنفة منهم لئلا ينسبوا إلى الجهل وإلى التصديق بالكذب والخرافات ، إذ كان أولئك السخفاء الطالبون لهذا العلم يطلبونه لأغراض لهم سخيفة دنيئة من غير معرفة توجب الطلبة ولا ما المقصود منه والغرض ، ولم يعلموا أن هذا هو جزء من الحكمة بل هو جزء وآخر علوم الحكمة ، لأنه يحتاج قبله إلى تعلم علوم تقدّمه ، فمنها علم النجوم الذي هو معرفة ثلاثة أشياء وهي الكواكب والأفلاك والبروج . فالبروج اثنا عشر برجا ، والأفلاك تسعة ، والكواكب المعروفة ألف وتسعة وعشرون كوكبا ، فمنها سبعة سيّارة - وقد ذكرناها في الرسالة الثالثة من القسم الأول من كتابنا هذا - وهو كالمدخل على علوم النجوم جميع ما يحتاج إلى تقديمه من ذلك . فأما سوى البروج والكواكب والأفلاك